أبي حيان التوحيدي

66

المقابسات

في كفره ، أتخط على تخت بميل لتعدل به عن وضح الفجر إلى غسق الليل ؟ وتميل بي إلى الكذب باللوح المحفوظ وكاتبيه الكرام ؟ إياي تستهوى ؟ أم حسبتنى كمن يهتز لمكايدكم ؟ فقال : لست أذكر لوحا محفوظا ولا مضيعا ، ولا كاتبا كريما ولا لئيما ، ولكني أخط فيه الهندسة ، وأقيم عليها البرهان بالقياس والفلسفة . قلت له : اخطط . فأخذ يخط وقلبي مروع يجب وجيبا ، وقال لي غير متعظم : إن هذا الخط طول بلا عرض . فتذكرت صراط ربى المستقيم ، وقلت له : قاتلك اللّه أتدري ما تقول ؟ تعالى صراط ربى المستقيم عن تخطيطك وتشبيهك وتحريفك وتضليلك ، إنه لصراط مستقيم ، وإنه لأحد من السيف الباتر ، والحسام القاطع ، وأرق من الشعر ، وأطول مما تمسحون ، وأبعد مما تذرعون ، ومداه بعيد ، وهو له شديد ، أتطمع أن تزحزحنى عن صراط ربي ، وحسبتنى غرا غبيا لا أعلم ما في باطن ألفاظك ، ومكنون معانيك ؟ واللّه ما خططت الخط وأخبرت أنه طول بلا عرض إلا مثلة بالصراط المستقيم لتزل قدمي عنه ، وأن تردينى في جهنم . أعوذ بالله وأبرأ إليه من الهندسة وما تدل عليه وترشد إليه . إني بريء من الهندسة ومما تعلنون وتسرون وبئسما سولت لك نفسك أن تكون من خزنتها بل من وقودها ، وان لك فيها لأنكالا وسلاسل وأغلالا وطعاما ذا غصة . فأخذ يتكلم ، فقلت : سدوا فاه مخافة ان يبدر من فيه مثل ما بدر من المضلل الأول ، وأمرت بسحبه فسحب إلى أليم عذاب اللّه ، ونار « وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » ، ثم أخذت قرطاسا وكتبت بيدي يمينا آليت فيها بكل عهد مؤكد ، وعهد مردد ، ويمين ليست لها كفارة ، أنى لا أنظر في الهندسة أبدا ، ولا أطلبها ولا أتعلمها من أحد سرا ولا جهرا ، ولا على وجه من الوجوه ، ولا على سبب من الأسباب ،